أحدث المستجدات
الخارجية الفلسطينية تراسل المؤسسات الدولية بخصوص أسبوع الابارتهايد الإسرائيلي
وزارة الخارجية تستنكر منع وفدا برلمانيا اوروبيا من دخول القطاع
الخارجية الفلسطينية تثمن موقف مجلس الأمن الدولي من حصار غزة
الخارجية الفلسطينية تثمن موقف بان كي مون تجاه معابر قطاع غزة
الخارجية الفلسطينية تطالب بمحاكمة الاحتلال على جريمة القرصنة
الخارجية الفلسطينية وبيت الحكمة يخرجان منتسبي دورة التأهيل الدبلوماسي
في الذكرى ال 39 ليوم الأرض الفلسطين: الخارجية تدعو لرفع الحصار عن غزة
الخارجية الفلسطينية تنظم حلقة نقاش حول الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية
الحكومية لكسر الحصار تناشد ملك السعودية بالضغط على مصر لفتح معبر رفح
الاعلان عن البدء فى اجراءات تأهيل المنفذ البحرى

المصالحة الفلسطينية بين نارين

أرسل لصديقك طباعة

عرفان نظام الدين

وصلت الوقاحة الإسرائيلية الى درجة لا سابق لها في التاريخ ولا في مسيرة القضية الفلسطينية خلال اكثر من 66 عاماً. فقد كشّر بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي عن أنيابه الوحشية الحاقدة وهو يرد على اتفاق المصالحة بين السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة «حماس» في غزة بالاستنكار والاحتجاج والتهديد

نعم، تنطّح نتانياهو وأعضاء حكومته الصهيونية المتطرفة وادّعوا ان السلطة قد أخلّت بالتزاماتها وهددوا بمعاقبتها أولاً بوقف مفاوضات السلام، المتعثرة أصلاً، والمضي قدماً في اعلان اسرائيل دولة لليهود في خرق فاضح لكل المواثيق الدولية والاتفاقات وقرارات الامم المتحدة وتثبيت لوجه اسرائيل العنصري البغيض الذي قامت عليه في تأكيد لما سرّبه وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن تحذيره بأن اسرائيل ستتحول الى دولة للفصل العنصري

وبكل بساطة، فإن نتانياهو يخير الفلسطينيين بين الموت تحت الحصار الظالم وتفتيت وطنهم وتشرذمهم وخلافاتهم او الموت بانتظار سراب السلام الوهمي الزائف ومبادرات لا قيمة لها ولا هدف ولا أفق لأنها لا تراعي أبسط مبادئ القرارات الدولية والحقوق الشرعية لهذا الشعب الصامد والمجاهد

ولم يعد خافياً على أحد ان المفاوضات المكوكية الأخيرة التي رعاها كيري تحت مسمى «اتفاق الإطار» لم تتطرق الى القضايا الجوهرية والمصيرية بل تعالج بعض الامور السطحية بادعاء انها تشكل بداية للانطلاق نحو مفاوضات أشمل. لكن التجارب علمتنا ان مثل هذه المقاربات لا يمكن ان تحقق اي نتيجة لأن اسرائيل تمارس كل أشكال مكرها وخبثها وأساليب المماطلة والتسويف والتحايل والتمديد لكي تفرغ المبادرات من مضامينها

فقد بات واضحاً ان المبادرة المتعثرة بسبب التعنت الاسرائيلي، لا المصالحة الفلسطينية التي اتخذتها اسرائيل ذريعة لذاتها، لا تشمل مبادئ السلام الاساسية والجوهرية التي وضع نتانياهو فيتو عليها مثل الدولة الفلسطينية وحدودها وعودة اللاجئين والقدس والمقدسات ومصير المستعمرات الاستيطانية ووقف الاستيطان خلال فترة المفاوضات، اضافة الى قضايا اخرى تتعلق بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ووحدة أراضيه وحقه في الحياة الحرة الكريمة والسيادة والاستقلال التام. فماذا قدم الصهاينة للفلسطينيين، ولو مسايرة للأميركيين، لكي يغروهم بالمضي بالمفاوضات؟ حتى الوعود لم يقدموها بل استمروا في غيّهم وواصلوا بناء المستعمرات في الضفة الغربية إبان الجلسات ومضوا في تنفيذ سياسة ضم الأراضي العربية مع مواصلة عمليات الدهم والقتل والاعتقالات

حتى أبسط مبادئ حقوق الانسان، وهي الإفراج عن الأسرى والمعتقلين، ماطلت اسرائيل في القيام بها كبادرة حسن نية أو كهدية ترضية للسلطة الوطنية بناء على رجاء كيري، وعمدت بدلاً من ذلك الى ابتزازها لحملها على تقديم المزيد من التنازلات وكسب الوقت لنسف المبادرة وتحميل الفلسطينيين المسؤولية

فبأي حق تنطح نتانياهو وهاجم المصالحة الفلسطينية؟ وبأي حق يتدخل في ما لا شأن له به؟ ولماذا يقدم على «تربيح الفلسطينيين جميلة» يوماً بعد يوم وهم لم يروا منه ولا من حكومته المتعنتة، ومن الحكومات المتعاقبة، إلا الظلم والاضطهاد والاحتلال وسلب الحقوق والأراضي وتعطيل كل مبادرات السلام؟

وانطلاقاً من هذا الواقع المظلم يجب على الفلسطينيين أن يمضوا في المصالحة الوطنية الشاملة من دون لف ودوران مهما اشتدت الضغوط وتصاعدت التهديدات. فالولايات المتحدة لا يحق لها تحميل الفلسطينيين المسؤولية عن الفشل لأنها تعرف «البير وغطاه» كما يقول المثل، وهي اختبرت على مدى السنين مدى الخبث الصهيوني، كما تدرك أبعاد المواقف ولا تحتاج الى أحد أن يدلها على الطرف المعرقل. والأهم من كل ذلك ان واشنطن تعرف جيداً أن عرقلة اسرائيل لمبادرات السلام ومنعها من إيجاد حل عادل للقضية وحل أزمة الشرق الاوسط برمّتها يؤديان حتماً الى دفعها ثمناً باهظاً من مصالحها وسمعتها ودورها الإقليمي والدولي، وبالتالي التسبب بتهديد أمنها القومي وتصاعد التطرف والإرهاب

ومهما قيل عن التعنت الاسرائيلي والتخاذل الأميركي، فإن من المنطق القول ان الخطأ الأساس نابع من الممارسات الفلسطينية تُزاد عليها الخطيئة القاتلة الناجمة عن الخلافات بين الأشقاء والصراعات بين الفصائل على مدى نصف قرن والتي توجت بالشقاق بين حركتي «فتح» و «حماس» وآلت الى انفصال غزة عن الضفة الغربية بعدما رمت اسرائيل «طعم» الانسحاب من القطاع

سبع سنوات عجاف من الانقسام والاعتقالات المتبادلة دفع خلالها الشعب الفلسطيني ثمناً فادحاً من أمنه وآماله وحياة أبنائه ومستقبلهم وثرواتهم المهدورة. في المقابل، أطلقت اسرائيل يد الظلم في الاعتداءات المتكررة والقصف والتدمير وحصار غزة واستباحة الضفة من جهة وتكثيف الاستيطان وتهويد القدس وتكرار الاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك تمهيداً لتنفيذ المؤامرة الجهنمية لهدمه وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه

وها نحن اليوم نقف على عتبة أبواب مرحلة جديدة واعدة بعد البشرى السارة التي أثلجت صدور الفلسطينيين والعرب جميعاً بإعلان الاتفاق على المصالحة ورسم خريطة طريق تتضمن جدولاً زمنياً يبدأ بتشكيل حكومة حيادية وإعادة توحيد القطاع والضفة تمهيداً للانتخابات الرئاسية والتشريعية العامة خلال مهلة لا تتعدى السنة

والأمل، كل الامل، ان تفي الأطراف المعنية بوعودها ولا تعود الى نقطة الصفر من جديد وألا تدع مجالاً لنار التعطيل والدسائس من الداخل ونار الحقد الصهيوني الذي يعمل على التسلل لنسف المصالحة. فقد علمتنا التجارب السابقة ان الالتزام الثابت غير مؤكد، وأن كل امل أتيح في هذا المجال انتهى الى خيبة امل. وما زلنا نتذكر كيف تفاءل العرب خيراً عندما جمع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز قيادات السلطة الوطنية و «حماس» واتفقوا على «إعلان مكة المكرمة» وأقسموا أمام الكعبة المشرّفة على الالتزام به، ولم تمض ايام قليلة حتى تنكروا له وأخلّوا بالعهد قبل ان يجف حبر ورقه

ومن بعدها تجددت المحاولات والاتصالات وأثمر عنها اتفاق القاهرة واتفاق الدوحة ولكن من دون جدوى، فقد عادت «حليمة الفلسطينية الى عادتها القديمة» وكانت النتيجة خيبة امل كبرى أحبطت الفلسطينيين واستغلتها اسرائيل للتشفي وممارسة المزيد من التنكيل وتشديد الحصار الآثم

ولهذا ما زلنا نضع أيدينا على قلوبنا اليوم خوفاً من تكرار الأخطاء القاتلة والعودة الى ممارسة الخطايا وندعو الله أن يلهم القيادات الحكمة لعلها تستوعب الدروس وتتعلم من آلام التجارب وعذاباتها المريرة. فقد اخطأت «حماس» باستيلائها على السلطة في غزة والاستئثار بها على رغم معرفتها بالصعوبات والأخطار وإدراكها لغياب مقومات الحياة وصعوبة الحكم في القطاع البائس والمثقل بالهموم واللاجئين ضمن واقع المعطيات التي يعرفها القاصي والداني. فقد كان من الأجدى والأصلح ان تستمر كحركة نجحت في نشاطاتها الاجتماعية والإنسانية والتعليمية والصحية التي قامت عليها وترعرعت وحققت شعبية كبرى وقدمت خدمات مشهودة بدلاً من ان تقع في فخ شهوة السلطة وسراب الحكم وتورط نفسها وتورط معها شعبها في محنة تلو المحنة. ولا ينكر أحد حقّها في المشاركة بالقرار ولعب دور قيادي، ولكن هذا يمكن ان يتحقق عندما تستقر الامور وتعلن الدولة المستقلة

أما السلطة الوطنية فقد اخطأت في ادارة المرحلة وأسلوب معالجة الخلافات والانقسام والدخول في متاهات القطيعة وتبادل الاتهامات والاعتقالات بدلاً من ممارسة دور الأم الحنون والأب الرحيم والحاكم الراعي والواعي الذي يحتضن الجميع ويعالج قضايا أسرته بالحكمة والموعظة الحسنة والتسامح والحوار. وأخطأ الجميع في التعنت ورفض التنازل عن مواقفه المتصلبة ورفض البحث عن الحل الوسط. ثم تكرست الخطيئة الكبرى بتنفيذ اجندات خارجية والسماح لقوى إقليمية ودولية بالتدخل تارة وبإعطاء الأوامر تارة اخرى واستخدام الشعب الفلسطيني كوقود لصراعاتها او أدوات لخدمة مآربها ومصالحها، فكان ما كان من المآسي والآلام

أما الخطأ الأكبر فتمثل في تكرار أخطاء منظمة التحرير والفصائل الاخرى، على اختلاف مشاربها واتجاهاتها على مدى نصف قرن وهو التدخل في الشؤون العربية الداخلية والدخول في تحالفات بدءاً من الأردن ولبنان وحروبه مروراً باحتلال العراق للكويت وما نجم عنه من خسائر للفلسطينيين وصولاً الى الأزمة السورية وأحداث مصر عبر اتهام «حماس» بلعب دور خلال الثورة

فلنصلِّ جميعاً لعدم تكرار هذه الأخطاء التي انعكست سلباً على مجمل حياة الفلسطينيين وقضيتهم من اجل إنجاح المصالحة والالتزام ببنودها لأنها تشكل تصحيحاً للواقع المخزي وأساساً للانفراج ونقطة انطلاق نحو إيجاد حل عادل ووضع الولايات المتحدة وإسرائيل أمام واقع يتمثل في وحدة وطنية راسخة وقرار موحد. فلا سلطة حقيقية قبل التحرير والاستقلال، ولا حكم فاعل إلا بعد اعلان الدولة المستقلة، وكل ما عدا ذلك هراء في هراء وسراب في سراب

والبديل المفزع هو نسف هذه المصالحة الواقعة بين نارين: نار التآمر الاسرائيلي ونار قُصر النظر لدى القيادات في حال عودتهم الى أساليب الفرقة والأنانية والمصالح الضيقة والتفاصيل الكريهة التي يدخل الشيطان عبرها لينسف كل بند من بنودها

وأختتم بالتذكير بتوجيه الله عز وجل لنا جميعاً في محكم تنزيله: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا». وأيضاً في قوله تعالى: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم»، لعل الذكرى تنفع المؤمنين والفلسطينيون أولهم

الحياة، لندن